صديق الحسيني القنوجي البخاري

83

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ المراد هنا بالإنسان الجنس باعتبار بعض أفراده أو غالبها ، وقيل : المراد به الكفار فقط ، والأول أولى ، ولا يمنع من حمله على الجنس خصوص سببه ، لأن الاعتبار بعموم اللفظ وفاء بحق النظم القرآني ، ووفاء بمدلوله ، والمعنى أن شأن غالب نوع الإنسان أنه إذا مسه ضُرٌّ من مرض أو فقر أو غيرهما دَعانا وتضرع إلينا في رفعه ودفعه . ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا أي أعطيناه نعمة كائنة من عندنا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مني بوجوه المكاسب ، أو على خير عندي ، أو على علم من اللّه بفضلي ، وقيل إن كان ذلك سعادة في المال أو عافية في النفس يقول : إنما حصل ذلك بجدي واجتهادي ، وإن كان صحة قال : إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني ، وإن حصل مالا ، يقول : حصل بكسبي ، وهذا تناقض أيضا لأنه لما كان عاجزا محتاجا أضاف الكل إلى اللّه تعالى ، وفي حال السلامة والصحة قطعه عن اللّه تعالى وأسنده إلى كسب نفسه . وهذا تناقض قبيح . وقال الحسن : على علم علمني اللّه إياه . وقيل : قد علمت أني إذا أوتيت هذا في الدنيا أن لي عند اللّه منزلة ، وجاء في أوتيته بالضمير مذكرا مع كونه راجعا إلى النعمة لأنها بمعنى الإنعام ، وقيل : إن الضمير عائد إلى إِنَّما وهي موصولة والأول أولى . بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ هذا رد لما قاله ، أي ليس ذلك الذي أعطيناك لما ذكرت بل هو محنة لك واختبار لحالك ، أتشكر أم تكفر ؟ قال الفراء : أنث الضمير في قوله : ( هي ) لتأنيث الفتنة ، ولو قال : بل هو فتنة لجاز ، وقيل : تأنيث الضمير باعتبار لفظ الفتنة ، وتذكير الأول في قوله : أوتيته باعتبار معناها وقال النحاس : بل عطية فتنة وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن ذلك استدراج لهم من اللّه ، وامتحان لما عندهم من الشكر أو الكفر . قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي قال هذه الكلمة التي قالوها ، وهي قوله إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ الذين من قبلهم كقارون وقومه ، فإن قارون قال إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [ القصص : 78 ] وإنما نسب إليهم قوله باعتبار رضاهم به فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ما نافية أي لم يغن عنهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئا أو استفهامية أي أيّ شيء أغنى عنهم ذلك . فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا أي جزاء سيئآت كسبهم أو أصابهم سيئآت هي